جزء في القبض بعد الرفع من الركوع

جزء في القبض بعد الرفع من الركوع
أما بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله :
فإن صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتدفق جمالا وجلالا ، وهي تنِمُّ عما في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من التعظيم والخوف من الربِّ جلا جلاله .
وقد تطلعت نفوس أهل الحديث إلى استقصاء قصة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فممن رواها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمثال أبي بكر الأنصاري ومحمد بن مسلمة البدري وابن عمر وجابر وأبي هريرة وسهل بن سعد الساعدي وابن عباس وأنس وعبد بن عمرو بن العاص وابن الزبير ووائل ومالك بن الحويرث وأبي موسى الأشعري وأبي حميد الساعدي …
ومن التابعين من أهل مكة والحجاز والعراق والشام واليمن كسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وعمر بن عبد العزيز والحسن وابن سيرين وطاووس ومكحول ونافع
ومن دون هذه الطبقة طبقة مالك والأوزاعي والليث وابن عيينة ، ثم طبقة الشافعي ويحى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد وغيرهم
فلو كان القبض ثابتا في القيام الذي يلي الرفع من الركوع لكان يشبه أن يكون شيئا أغفل ذكره هؤلاء الرواة جميعا ، وليس من شيء أنت واجده في كلامهم يساعدنا على اعتبار القيام الذي قبل الركوع والذي هو محلٌ لفرائضَ وأركانٍ كالقيام الذي بعده .
ولست واجدا لهذا الرأي إذا أنت أعطيته حظه من التأمل والتنقيب إماما سابقا على أن بعض الأفاضل جمع من الأدلة ما هو خارج عن مقصود المسألة وغامر لجملتها …وأنا أذكر في هذا الجزء ما يستدل به الناظر على أغلاط من انتصر لذلك
قال الشيخ طيباوي – حفظه الله – ( ويعلم كثير من طلبة العلم أن هذه المسألة من المسائل التي لم تحسمها النصوص وأنها أحوج إلى تطبيقات أصول الفقه منها إلى الصناعة الحديثية قلا يجدي فيها الطواف حول حديث وائل والاستدلال بعدم الدليل السمعي في إعمال العموم اللفظي والمعنوي للنصوص )
قلت :في هذا الكلام أشياء
الأول : إن مسألة كهذه والتي حرّض فيها النبي صلى الله عليه وسلم على متابعته من مثل قوله ” صلوا كما رأيتموني أصلي ” لا تحسمها النصوص بعيد .وليست هي مما تعارضت فيها الأدلة وإنما اليقين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان فاعلا لواحد من الأمرين : القبض أو الإرسال وأن الراوي رأى واحدا لا غير وهو إما أنه رأى القبض فأغفله اتكالا على بيانه من قبل في القيام الأول وسيأتي ما فيه أو أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم أرسل يديه فلم يحتج إلى بيانه ونقله .
قوله ( وأنها أحوج إلى تطبيقات أصول الفقه …)
الصحيح خلافه اللهم إلا أن يكون الشيخ ادعى الاستقراء لروايات الباب كله وهذا لم يقله احد على أن الإطلاع على روايات الحديث والوقوف على الطرق صنعة أهل الحديث ومسألتنا من هذا القبيل
ألا ترى أن لحديث وائل رواية قاضية على عموم هذا القيام فقد روى ابن خزيمة بسنده إلى وائل بن حجر قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت حين افتتح الصلاة كبر فرفع يديه فرأيت إبهاميه حذو أذنيه ثم أخذ شماله بيمينه ثم قرأ…الحديث فهذه الرواية قاضية على عموم القيام الذي يستدل به أصحابنا
قوله ” فلا يجدي فيها الطواف حول حديث وائل ”
قلت : حديث وائل عمدة هذا الباب ومتمسك الفريقين وجميع من ورى الحديث من أمثال سفيان وشعبة وأبي عوانة وابن عيينة وزائدة في جماعة آخرين كلهم عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل لم يختلفوا في لفظه
قال وائل : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لأنظرن ّ كيف يصلي فاستقبل القبلة وكبر ورفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه ثم اخذ شماله بيمينه فلما أراد ان يركع رفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه فلما سجد ..
هذا الحديث فيه مسائل :
1- قول وائل رضي الله عنه لأنظرنّ فيه بيان دقة الملاحظة والمتابعة لكل الحركات والصفات فكل ما لم يقع عليه نظره لم ينقله وهو لم ينقل القبض هذا الذي يذهب إليه إخواننا .
فإن قيل : اتّكل على الوصف الأول فالجواب أنه وصف اليدين قبل الركوع وبعده لاجرم إذن أن وائلا رضي الله عنه لم يكن ليدع شيئا رآه اتكالا منه على نقله الأول
فإن قيل : هو لم ينقل أيضا الإرسال فالجواب أن الإرسال وضع طبيعي لليدين ووائل أشار أن النبي صلى الله عليه رفع يديه ولازم الرفع الارسال ولو قبض النبي صلى الله عليه وسلم في هذا القيام لنقله وائل لأنه وضع لليدين غير طبيعي يوجب الاستنان.
2- لفظ اليدين تكرر في الحديث كثيرا مما يشعرنا بل يجعلنا نجزم ونحن مطمئنون أن وائل كان حريصا على نقل صفة أوضاع اليدين في الصلاة ومثل هذا القبض الذي يذهب إليه إخواننا تستدعي همة وائل لو رآه أن ينقله فلما أغفله علمنا يقينا على عدم وجوده
3- القبض في الصلاة من جنس رفع اليدين الذي قيل هو تعظيم لله ذكره الشافعي فناسب أن يكون في القيام الذي هو قبل الركوع لأن المؤمن مشتغل فيه بالقراءة فربما عبث بيديه بما يتنافى مع السكينة والخشوع بخلاف القيام الذي هو بعد الركوع فإنما هو توطئة لنوع آخر من التعظيم في الصلاة وهو السجود وسنة المجافات بين اليدين حين الخرور للسجود تتأتى واليدين مرسلين وكون القبض واقعا يتنافى مع تحصيل هذه السنة اللهم إلا ان يقال يرسل أولا ثم يخر ساجدا ولم يقل به أحد
قال الشيخ طيباوي حفظه الله ( وإذا عرفت أنه ليس مع الشيخ الفاضل نص في السدل بعد الرفع من الركوع …)
قلت الشيخ الألباني رحمه الله لم يدع أن معه نصا وإنما نفى وجود النص
قوله ( فإن بدلية عموم المطلق تقتضي أنه لو قبض في قيام الركعة الأولى ولم يقبض في باقي القيامات أجزأه…)
قلت : المطلق يشابه العام من حيث الشيوع ولما كانت موارده غير منحصرة صار يتناوله اسم العام والحكم في العام ينصبّ على كل فرد من أفراده فعمومه شمولي كلي بخلاف المطلق فالحكم فيه لا ينصب على كل فرد من أفراده بل على فرد شائع من أفراده.
ثم هاهنا أمر مهم مفاده أن ما كانت حقيقته مطلقة إذا اتصل به ما يدل على العموم تغيرت حقيقته من الإطلاق إلى العموم فمن ذلك الألف واللام التي للاستغراق إذا اتصل بها ما له حقيقة مطلقة فإنها تخرج به على العموم وتفيده
ونحن لا نخالف الشيخ في أن المطلق يكفي العمل به مرة واحدة ولكننا نقول إن العمل بمقتضى الإطلاق في مسألتنا هذه يخالف الصيغة والبيان فقلنا بالعموم محافظة على هذه الصيغة وإن كانت لا تقتضيها حقيقة الإطلاق ، فيجوز أن يقع القبض في أنواع القيام لمعنى تقتضيه عوارض التعيين فينتفي الحكم بالإطلاق مع وجود ما يقتضيه وهو الحقيقة لوجود معارض دافع وهو الصيغة والبيان فقوله في الحديث ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قائما قبض ” القيام كحقيقة مطلقة يجزئ منه القبض في القيام الأول وهذا صحيح لكننا لو عملنا بضابط المطلق خالفنا الصيغة حين أشار الراوي أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في كل ركعة
فإن قلتَ : أليس هناك قيام بعد الرفع من الركوع ؟
قلت صحيح ذاك لو لم يكن في بعض روايات الحديث ما يمنع هذا وقد تقدم بيان شيء من ذلك ثم قد ثبت لنا من ترداد النظر في روايات قصة الصلاة ووجب علينا أن نستوضح ما وقفنا عليه من ذلك ليتبين للقارئ أن لفظ القيامربما انفرد وربما مازج معنى آخر وأهل الحديث بطريقتهم ربما حاولوا مزج الروايات وجنحوا إلى الاختصار الذي تمليه عليهم طبائعهم ، والرجل منهم على روايته لرقيب.
وقد أرهف أهل العلم من الشروح والحواشي فبوبوا واختصروا وبسطوا ، ومن هؤلاء ابن خزيمة رحمه الله فقد أخرج حديث وائل بن حجر فذكر له رواية قاضية على عموم الاستدلال بالقيام .
قال ابن خزيمة : باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة قبل افتتاح القراءة
قلت : والخبير بكتب أهل الحديث يعلم أن تراجم ابن خزيمة من جنس تراجم البخاري فهي تتضمن اختياراته وترجيحاته …ثم روى ابن خزيمة بسنده ( ج2/ص298)نا عبد الله بن سعيد الأشج نا ابن إدريس نا عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال أتيت المدينة فقلت : لأنظرنّ إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت حبن افتتح الصلاة كبر فرفع يعني يديه فرأيت إبهاميه بحذاء أذنيه ثم أخذ شماله بيمينه ثم قرأ ..الحديث
وفي الأوسط لابن المنذر (ج4/ص177) قال : حدثنا عبد الله بن أحمد قال ثنا خلاد قال ثنا موسى بن عمير عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل صلاة يأخذ شماله بيمينه ..الحديث
وفي بعض الروايات ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يقرأ وضع يمينه على شماله وقد نسب هذه الرواية الحافظ في التلخيص للطبراني وضعفه
فالروايات كثيرة تثبت جزءا مهما من العلم وهو أن هذه الصفة التي هي وضع اليمين على شمال كانت في قيام القراءة لا غير وهو ما حفظه الرواة وأثبتوه .
قال الشيخ الطيباوي حفظه الله ( يجب التفريق بين الأمر المطلق والأمر العام وبين الوصف المطلق والوصف العام ذلك ان الإطلاق والتقييد والعموم والخصوص يستفاد من كلام الشارع )
قلت : اسم الإشارة ” ذلك ” الذي أفاد علة التفريق بين العموم والإطلاق في الأمر والوصف هل يستفاد من كونهما من كلام الشارع أم من بيان حقيقة كل واحد منهما ؟
ولعلّ الشيخ أراد أن يقول : ثم إن حكاية الإطلاق والعموم في الوصف والأمر يجب أن تستفاد من كلام الشارع …
تُرى هل يجيز الشيخ الرواية بالمعنى أم لا ؟ لأن الصحابي المباشر للنقل إذا عبّر بألفاظ محتملة وجب مطالبته بحكاية اللفظ وأهل العلم مختلفون في هذه المسألة والمهم هنا أن ما كان من قبيل اللفظ العام وجب حمله على عمومه والحجة في حكاية اللفظ لاجل قاعدة الرواية بالمعنى وقد أشار الزركشي إلى شيء من هذا أو قريب منه (ج3/ص476)
قال الشيخ الطيباوي حفظه الله ( فهل قول الصحابي إذا كان قائما في صلاته من هذا القبيل بحيث إذا قبض في فرد من أفراده القيام أجزأه ذلك ..)
قلت قد سبق بيان تقييد هذا القيام في رواية ابن خزيمة وغيره وللمحدث الألباني بحث مهم (ج5/ص306 الصحيحة )خلاصته أن لفظ حديث وائل ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة قبض على شماله بيمينه..” اختصره بعض الرواة بلفظ ” رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا بيمينه على شماله في الصلاة ”
قال الألباني : فلم يذكر القيام … ولا يشك باحث في طرق هذا الحديث أنه مختصر .. والقيام الذي قبض فيه يديه هو الذي قبل الركوع جاء ذلك من طريقين :
1- عن عبد الجبار عن وائل …ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى فلما أراد أن يركع أخرج يده من الثوب ثم رفعهما ثم ركع …أخرجه مسلم(ج3/ص13)
2- عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل …ثم أخذ شماله بيمينه فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك فلما سجد وضع ..أبو داود ( برقم :716) ولابن ماجه ” رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ شماله بيمينه …قال الألباني :فإذا نظر الناظر إلى هذه الجملة لوحدها ولم يعلم أو على الأقل لم يستحضر أنها مختصرة من حديث فهم منها مشروعية الوضع لليدين في كل قيام سواء كان قبل الركوع أو بعده وهذا خطأ يدل عليه سياق الحديث فإنه صريح في أن الوضع إنما هو في القيام الأول وهو في سياق عاصم بن كليب أصرح فإنه ذكر رفع اليدين في تكبيرة الإحرم ثم الركوع والرفع منه يقول فيهما ” مثل ذلك ” فلو كان في حفظ وائل وضع اليدين بعد الرفع لذكره أيضا كما هو ظاهر من ذكره الرفع ثلاثا قبله ..ولكن لما فُصلت تلك الجملة عن محلها من الحديث أوهمت الوضع بعد الرفع فقال به بعض الأفاضل المعاصرين دون أن يكون لهم سلف من السلف الصالح فيما علمتُ ومثل هذا الوهم بسبب الاختصار من بعض الرواة او عدم ضبطهم للحديث يقع كثير …”
قلت : ثم مثّل المحدث الألباني رحمه الله لنظائرَ يقع فيها الاشتباهُ بسبب الإطلاق كمسألة الإشارة بالأصبع في غير التشهد فإنها وردت بلفظ مطلق وآخر مقيد .
قال طيباوي حفظه الله ( فقولهم عن الصحابي ” إذا كان قائما ” إن ّ حرف {إذا} هنا يفيد الظرفية لا الشرطية قول غير صحيح )
قلت :إن حرف إذا هذه إذا كان في حيزها فعل ماضي تستعمل ظرفا والظرف قد يكون متضمنا للشرطية وقد يتخلص للظرفية فقط في حالات ذكرها ابن هشام في المغني .
فقوله ” إذا كان قائما ” أي وقت كونه قائما ، والشرط هنا غير مستساغ ولم يفهم وجوب القبض أحد من العلماء .
قال حفظه الله ( فقبل التمسك بعدم الدليل السمعي كحجة لهم عليهم إعمال العموم والقياس والاستصحاب )
قلت : إعمال هذه الادلة دليل على عدم وجود الدليل السمعي والدليل قد يكون وجوديا وقد يكون عدميا مثال هذا الثاني أن يقال : مسيلمة ليس بنبي لعدم وجود الآيات
ومعنى هذا أن القبض بعد الرفع من الركوع لم يتعرض له الشرع فهو باق على النفي الأصلي وهو دليل قائم بنفسه كما اختاره الغزالي رحمه الله ، وعدم الدليل دليل على النفي كما تقدم والمستدل به غير مطالب بالدليل ومن ثم َّ قيل : لا دليل على النافي ففي مسألتنا هذه يتوجه الدليل إلى مثبت القبض لا إلى نافيه
قال حفظه الله (ففرق بين الإيجاب والتحريم وبين عموم سنة القبض فإن الأول توجب الشريعة نقله بينما الثاني لا توجب الشريعة تفصيله )
قلت :القبض لا شك من الأشياء التي التزمها رسول الله صلى الله عليه وسلم والاشتباه حصل لما عدلنا به إلى القيام الذي هو بعد الركوع فتطلب المتمسك له دليلا فلم يجد إلا عموم القيام
قوله حفظه الله ( إن الذين قالوا بإرسال اليدين بعد الرفع من الركوع حقيقة قولهم استصحاب البراءة الأصلية فيما أصله القبض لأن البراءة الأصلية في هذه المسألة ليست وضعية اليدين الطبيعية .. فلا اعتبار لوضعية اليدين خارج الصلاة في هذا النزاع وإنما المعتبر وضعيتهما في حال القيام الأول لأنه من الصلاة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم )
قلت : الأصل استصحاب هيئة الإنسان خارج الصلاة وإنما عدَلنا عنه في القيام الأول لقيام المعارض وهي أدلة القبض فلما كان القيام الذي بعد الركوع لم نجد الراوي نقل فيه القبض استصحبنا الهيئة الأولى لأن الثانية عارضة وهذا الفهم هو الذي فهمه أهل العلم
سئل الشيخ محمد بن ابراهيم رحمه الله (ج52- م البحوث العلمية ) : وأما الاستصحاب وهو الإرسال كحالة الإنسان قبل الدخول في الصلاة فكذلك إذا دخل في الصلاة . فالجواب :أن هذا الاصل مسلم لو سلم من المعارض وتقرير ذلك أن الاستصحاب إنما يستدل به في حالة عدم ما يعارضه وقد عورض هنا بأدلة الوضع فتكون رافعة له اهـ
فأنت ترى أن الشيخ سلّم أن الإرسال هو الأصل وأن الاعتبار للهيئة التي قبل الصلاة حتى يرد الناقل . ثم إن وائل بن حجر لم يذكر هذا القبض فكان ساقطا عن الاعتبار لأن البيان يمنع عدم النقل وهو وإن لم يكن من كلام الشارع فإننا نمنع يقينا الخلل عن كلامه لأنه من الرواة المباشرين للنقل وقد احتفت به قرائن حالية تقتضي ترك القبض بعد الركوع ولما انتفى في بيانه ظاهر يُرجع إليه سقط الاستدلال باستصحاب القبض لأن ما يفيده زيادة على صاحب البيان فلا يعتبر والذي هو معتبر لا نستفيد منه القبض فسقط اعتباره لذلك والله أعلم
بقي لنا وقفة هي آخر ما ننتقده على الشيخ حول حكم المحدث الألباني رحمه الله ببدعية القبض بعد الركوع .
قال طيباوي حفظه الله ( لقد اعتمد الشيخ في وصف عقد اليدين بعد الرفع من الركوع بأنه بدعة على مقدمتين : عدم النقل وعدم ثبوت الفعل عن السلف وأيمة الحديث وفيما بيناه سابقا ما يبطل المقدمتين )
قلت : نقل بعض طلبة العلم عن الألباني رحمه الله قوله ” ولست أشك في أن وضع اليدين على الصدر في هذا القيام بدعة وضلالة لأنه لم يرد مطلقا في شيء من احاديث الصلاة وما أكثرها ولو كان له أصل لنقل إلينا ولو عن طريق واحد ويؤيده ان من السلف لم يفعله ولا ذكره أحد من اهل الحديث فيما أعلم اهـ
فالشيخ الألباني له قاعدة مشهورة في مثل هذه الجزئيات التي يستدل بها على العموم فقط ولا ترد في فعل السلف وليس هذا مجال مناقشتها وإنما الغرض بيان ما استدل به الشيخ طيباوي لإبطال المقدمتين
فالقارئ لكلامه يظن أن الشيخ طيباوي قد وقف على أثارة من علم عند السلف تثبت نفي المقدمة الأولى وهو لم يأتي بحديث جديد على بحث الالباني ولا له نقل عن السلف فكيف تبطل المقدمتان
والجواب أن الشيخ طيباوي استأثر حديثه بنقل المسألة من عموميتها إلى حقيقة الإطلاق وما ذكره حفظه الله لا تنفي القبض والسدل ولا تثبتهما فبطل فعلهما معا أو تركهما معا ولزم فعل واحد منهما فلو سدلنا وقد قبض السلف كنا مقصرين في ترك ما يجمل صلاتنا إذ لسنا نقول بالوجوب ولو قبضنا وقد سدل السلف كنا مبتدعين بسبب التزامنا لهيئة محددة لم يلتزمها السلف وإذا دار الأمر بين التقصير والابتداع فالواجب الترك .
هذا آخر ما لنا من وقفات مع الشيخ حفظه الله ونحن نحترم رأيه وما اختاره لنفسه ولسنا نلزم أحدا بشيء وفوق كل ذي علم عليم

الشيخ السنوسي بغداد الجزائري

Une réponse à “جزء في القبض بعد الرفع من الركوع”

  1. السلام عليكم …
    جزاكم الله الفردوس الأعلى فضيلة الشيخ السنوسي، و بارك الله في أعمالكم الصالحة
    شرح واف وكاف دمتم منبرا للعلم، و ذخرا للأمة الإسلامية…
    وفقكم الله لما يحبه ويرضاه.

Laisser un commentaire